عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

27

معارج التفكر ودقائق التدبر

وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) . وأبان اللّه عزّ وجلّ فيها أنّه قد خاطب بني آدم جميعا بقوله : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ . . . ( 27 ) . فدلّ هذا على أنّ جميع الرّسالات الرّبّانيّة قد اشتملت على هذا التّحذير . أمّا البدء بجملة « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » بعد الاستعاذة باللّه السّميع العليم من الشيطان الرجيم ، فيعمّ كلّ ما يصلح أن يقصد شرعا ، كالاستعانة والتّبرّك والتمجيد ، أي : باسم اللّه أستعين في أمري ، أو أتبرّك ، أو أمجّد باسم اللّه مع بدء أمري وعملي . وعلّمنا اللّه أن نقول : باسم اللّه ، لا أن نقول : باللّه ، إشارة إلى أنّ حظّ عقولنا وأفكارنا من اللّه أن نتفكّر في أسمائه وصفاته ، لا أن نتفكّر في ذاته ، أو أن نسعى لإدراك شيء منها ، فبيننا وبين إدراك ذاته تعالى أو شيء منها حاجز العجز الكامل . أمّا ما نستطيعه فمحصور في التفكّر في أسمائه وصفاته ، وأسماؤه غير اسم الذّات وهو لفظ الجلالة ( اللّه ) كلّها من صفاته عزّ وجلّ ، وحسبنا أن ندرك قدرا من صفات اللّه عزّ وجلّ . فحظّنا منه تبارك وتعالى هو حظّنا من صفاته ، من قدرته ، من علمه ، من إرادته ، من حكمته ، من عدله ، من فضله ، من رحمته ، من عفوه ، من غفرانه ، من كونه رازقا محييا مميتا ، محاسبا ، وقاضيا بين عباده ، ومجازيا لهم ، وفعّالا لما يريد . فما لنا وللبحث في ذاته الّتي لا سبيل في الحياة الدّنيا إلى إدراك شيء منها .